في الأبيض.. الجوع والخوف يطاردان نصف مليون مدني

لم تعد السماء في مدينة الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان، مكانا يرفع الناس إليه أبصارهم.

صارت سقفا ثقيلا يتردد فيه صوت المسيّرات كل يوم؛ مستشفى يُقصف اليوم، ومدرسة تُستهدف غدا، وسوق تُسفك فيه الدماء بعد ذلك.

في المدينة المحاصرة، انقطعت الكهرباء، فماتت الحنفيات عطشا. صار البحث عن الماء رحلة مفتوحة لا يعرف الناس بدايتها من نهايتها، ولا يدرون إن كانت المياه التي يصلون إليها صالحة للشرب أم تحمل خطرا آخر.

ومع استمرار الحصار، تكدست الأبيض بنحو نصف مليون روح، بينهم مائة ألف نازح فرّوا إليها بحثا عن الأمان، فوجدوا خوفا جديدا.

وفي أطراف المدينة، داخل مخيم “المهيرة”، تقف النساء والأطفال منذ الفجر في انتظار ما يسد الرمق. بعضهم يعود بوعاء فيه قليل من الطعام، وبعضهم يعود ويداه خاليتان كما خرج.

جوع ووباء

وسط هذا الخراب، زحفت الكوليرا في غرب كردفان، وتجاوزت الإصابات 800 حالة، بينما بات نصف مليون مدني في الأبيض وشمال كردفان يمشون على حافة الخطر.

أمام هذا الواقع، خصصت الأمم المتحدة أكثر من مليون دولار للمياه والدواء، أملا في إطفاء شيء من نار الأزمة.

أما المساعدات الإنسانية، فقد وصلت الخميس الماضي إلى جنوب كردفان أول قافلة منذ شهر، محملة بـ14 شاحنة غذاء و3 شاحنات دواء إلى كادوقلي والدلنج.

وفي الوقت نفسه، كانت الاشتباكات في دارفور تطرد 3500 شخص من قراهم في محلية أمبرو، في 3 يوليو، يحملون أطفالهم ويمضون نحو المجهول.

الأطفال هم الحصاد الأكبر لهذه الحرب. فقد قال تقرير لليونيسف إن 330 طفلاً قُتلوا أو جُرحوا في السودان منذ بداية العام، معظمهم في دارفور وكردفان.

وفي شمال كردفان وحدها، ومنذ مايو، سقط 35 طفلا؛ 18 فارقوا الحياة، و17 حملوا الجراح.

بدأت أعمار الضحايا من شهرين، وكانت المسيّرات سبباً في 60% من الإصابات.

وقال ممثل اليونيسف شيلدون يت: “يُدفع الأطفال إلى دوامة لا تنتهي من العنف والنزوح والحرمان. يُقتلون في بيوتهم وفي الطرق وفي الأسواق. يجب ألا يكون الأطفال هدفاً أبدا”.

تحقيق وضغط دولي

بعيدا عن الأبيض، وفي جنيف، داخل قاعة اجتماعات مجلس حقوق الإنسان، رفعت 47 دولة أيديها بالموافقة على فتح تحقيق عاجل في ما يجري داخل المدينة ومحيطها.

تحدث المجلس عن “خطر وشيك لفظائع واسعة”، وعن استخدام “العنف الجنسي كسلاح حرب”، وطالب بوقف إطلاق النار، وكلف بعثة تقصي الحقائق بالنزول إلى الأرض والتوثيق.

ورحب سفير السودان، حسن حامد حسن، بالقرار، لكنه وصفه في الوقت نفسه بأنه “غامض” لأنه لم يسمِّ أطرافا خارجية.

وجاء رد المجلس بإدانة “جميع أشكال التدخل الخارجي وتوريد الأسلحة”.

وفي يوم الاثنين الماضي، اتصل وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية، توم فليتشر، بقائد قوات الدعم السريع، مشددا على ضرورة فتح الطرق أمام المساعدات، وحماية المدنيين، ومعبرا عن قلقه من ظل المسيّرات الذي يغطي المدن.

وهكذا تقف الأبيض اليوم بين قرار يُكتب على ورق في جنيف، وحصار وقصف وجوع يُكتب بالدم على الأرض.

أما الحرب التي بدأت في أبريل 2023، فلا تزال تقلب صفحاتها الثقيلة، ولا أحد يدري من سيكتب السطر الأخير.

تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.